فتور يهدد استقرار الزواج

إدمان الأزواج للألعاب الإلكترونية.. شريك حاضر جسديًا وغائب عاطفيًا

2 مشاهدات

لا تبدأ الأزمة في البيوت عادةً من مشهد صاخب، بل من تفاصيل صغيرة تتكرر حتى تصبح نمطًا يوميًا، فإدمان الأزواج للألعاب الإلكترونية الذي يتمثل في زوج يعود من عمله ليجلس أمام الشاشة أو زوجة تختفي لساعات داخل لعبة لا تنتهي، بينما الطرف الآخر ينتظر حديثًا مؤجلًا أو اهتمامًا باهتًا أو مشاركة لا تأتي، فيظهر الغياب أكثر إيلامًا.. حضور بالجسد يقابله غياب الروح وابتعاد المشاعر.

لم يعد السؤال عن إذا كان اللعب في حد ذاته مشكلة بل عن متى يتحول من ترفيه مشروع إلى سلوك يستهلك الوقت والانتباه والطاقة العاطفية داخل العلاقة الزوجية، وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية إدمان الألعاب الإلكترونية في التصنيف الدولي للأمراض ICD-11، ما يربطه بنمط سلوكي مستمر أو متكرر يفقد فيه الشخص السيطرة على اللعب، ويمنحه أولوية متزايدة على حساب جوانب الحياة الأخرى، ليصبح اللعب إدمانًا يقضي على البيت والشريك واستقرار الحياة اليومية.

إدمان الأزواج للألعاب الإلكترونية.. الشاشة تسرق ما لا يراه أحد

الخطر الحقيقي للألعاب الإلكترونية لا يتوقف عند عدد الساعات التي يقضيها أحد الزوجين أمام اللعبة، بل يمتد إلى ما تتركه هذه الساعات من أثر بارد داخل البيت نفسه، فالعلاقة لا تتصدع دائمًا بسبب مشكلة كبيرة أو خيانة، بل قد يقل وهجها تدريجيًا حين يقل الكلام ويتراجع الاهتمام وتختفي اللحظات المشتركة تحت وطأة الانشغال المستمر بالشاشة، وتظهر مشكلات متعددة كالإهمال للمسؤوليات اليومية والابتعاد عن المناسبات العائلية وتكرار الخلافات التي تبدأ صغيرة ثم تتسع، فيجد الطرف الآخر نفسه وحيدًا داخل علاقة يفترض أنها تقوم على المودة والمشاركة والاحتواء، ما يمثل ضغط نفسي متراكم يجعل الشريك هو الآخر في حاجة إلى من يسمعه ويخفف عنه.

يجمعهما البيت.. وتفرقهما الشاشات

الشريك المدمن على الألعاب قد يكون موجودًا في المنزل معظم الوقت، لكنه لا يشارك فعليًا في الحياة المشتركة، وتتشكل المعضلة الزوجية عندما لا ينصت هذا الشريك كما ينبغي ولا ينتبه للتفاصيل، ولا يمنح العلاقة ما تحتاجه من مشاركة وجدانية، فيشعر الطرف الآخر أنه يعيش إلى جوار شخص يراه كل يوم، لكنه لا يصل إليه، ويسود التوتر بين الزوجين مع الغياب العاطفي الناتج عن الانشغال بالألعاب الإلكترونية عن الحياة الزوجية والمسؤوليات المشتركة، فتبتلع اللعبة الوقت والانتباه والطاقة وتترك العلاقة في الخلفية ليصبح الشريك حاضرًا في المكان وغائبًا عن تفاصيل المشاركة الحقيقية.

مشكلة وقت الشاشات

من التسلية إلى الإهمال والهجر العاطفي

القدرة على التوازن وتحديد الأولويات هي الخيط الذي يفصل بين التسلية والإدمان، ليس كل من يحب الألعاب يعيش هذه الحالة، فاللعبة في حدود الترفيه لا تشكل أي خطر على الحياة الزوجية، ولكن تظهر المشكلة حين يتحول وقت الشاشات إلى وسيلة للهروب من الحوار أو مساحة يفضلها الشخص على الجلوس مع شريكه، فتختل معادلة الحياة الزوجية.

ما يجعل الأمر أكثر تعقيدًا أن الطرف المدمن لا يرى المشكلة دائمًا بالوضوح نفسه، بل يعتبرها وقت للراحة من الضغوط والمسؤوليات أو وسيلة لتفريغ التوتر، بينما يراه الطرف الآخر انسحابًا من العلاقة وتنصلًا من المسؤولية وهروبًا من الواقع، لتتسع الفجوة بين الطرفين وتتحول الخلافات من نقاش حول الوقت إلى جرح أعمق يتعلق بالقيمة والاهتمام والأولوية.

زوجين تحت سقف واحد ومودة تتآكل

المؤسف في إدمان الألعاب الإلكترونية أنه يمتد لكلا الزوجين ويشمل مختلف جوانب الحياة الزوجية والأسرية، فالشريك قد يشعر بالإهمال والوحدة والضغط النفسي، وقد يمتد الأثر السلبي إلى الحرج الاجتماعي بسبب الانسحاب المتكرر من المناسبات أو اختلال أدوار البيت، فإحساس الشريك بالإهمال من شريكه قد ينتج عنه مشاكل نفسية واجتماعية كبيرة، فيزداد الفتور العاطفي ما يضعف المودة ويزيد المسافة بين الطرفين، وتصبح الألعاب أكثر من مجرد هواية لتعارضها مع أولويات الأسرة.

متى يجب التوقف والانتباه؟

لا يبدأ إدمان الأزواج للألعاب الإلكترونية بصورة صريحة أو مفاجئة، بل يتسلل غالبًا في شكل تغيرات صغيرة قد تبدو عابرة في بدايتها، لكنها تكشف مع الوقت عن خلل أعمق في ترتيب الأولويات وطبيعة الحضور داخل العلاقة، ولهذا يصبح الانتباه المبكر إلى بعض العلامات أمرًا ضروريًا، ليس فقط لاكتشاف المشكلة، بل لمنعها من التمدد حتى تتحول من انشغال مؤقت إلى سلوك يرهق الشريك ويهدد استقرار البيت، ومن هنا تظهر إشارات تستحق التوقف عندها مبكرًا:

  • اللعب على حساب النوم أو العمل أو الواجبات المنزلية
  • التهرب من الحوار أو الجلوس مع الشريك من أجل اللعب
  • الغضب إذا طُلب منه التوقف
  • عدم الحضور في المناسبات الاجتماعية والعائلية تدريجيًا
  • الإهمال أو تأجيل المسؤوليات بشكل مبالغ فيه

الألعاب الالكترونية

الاعتراف بالمشكلة أول خطوة للحل

الحل لا يبدأ بالمنع المفاجئ أو كسر جهاز الألعاب أو تحويل الأمر إلى معركة يومية، بل يبدأ من لحظة صريحة يعترف فيها الطرفان بأن العلاقة نفسها صارت تتحمل سلبيات إدمان الألعاب الإلكترونية، هنا يصبح الحوار ضرورة، لا رفاهية، لمعرفة الحدود التي يجب أن تفصل بين العالم الافتراضي والحياة الواقعية، كيف يمكن استعادة الوقت المشترك بهدوء بعيدًا عن التهكم واللوم وتبادل الاتهامات؟ 

أما حين يظهر فقدان السيطرة على التحكم في اللعب، ويستمر الإهمال رغم التنبيه والنقاش، فإن اللجوء إلى مختص نفسي للعلاج لا يكون مبالغة، بل خطوة واعية لحماية العلاقة ومن فيها والإقلاع عن سلوك قد يترك أثرًا نفسيًا وعائليًا أعمق مما يبدو على السطح.

هل يعيش الشريكان معًا فعلًا أم أن أحدهما صار يقيم في عالم آخر؟ سؤال يجب أن يُطرح على من بدأ إدمان الألعاب الإلكترونية، فليست المشكلة في اللعبة ذاتها، بل في اللحظة التي تتحول فيها إلى طرف ثالث داخل الزواج، يسرق الانتباه، ويؤجل الحوار، ويطفئ دفء العلاقة ببطء، عندها فقط يصبح السؤال مؤلمًا.

اترك تعليقًا