“علي إكسبريس” يتعقب المستخدمين عبر صوت غير مسموع يشبه تقنية السونار

0 مشاهدات

في واقعة أثارت جدلاً واسعاً بين خبراء الأمن الرقمي والمدافعين عن الخصوصية، كشف مطور برمجيات مستقل عن آلية غير معتادة يُقال إن منصة التجارة الإلكترونية الصينية الشهيرة “علي إكسبريس” تستخدمها لتتبع المستخدمين، وذلك من خلال إشارات صوتية لا يمكن للأذن البشرية سماعها، في تقنية شبّهها البعض بطريقة عمل أجهزة السونار أو الخفافيش التي تعتمد على الموجات الصوتية لتحديد المواقع.

القصة بدأت بمحض الصدفة، لكنها سرعان ما تحولت إلى اكتشاف أثار تساؤلات كبيرة حول حدود جمع البيانات الرقمية ومدى احترام خصوصية المستخدمين على الإنترنت.

اكتشاف غير متوقع أثناء الاستماع للموسيقى

وفقاً لتقارير تقنية متخصصة، لاحظ المطور المستقل المعروف باسم “لايزرفايل” أمراً غريباً أثناء تصفحه موقع “علي إكسبريس” من جهازه الشخصي. 

بينما كان يستمع إلى الموسيقى عبر حاسوبه، اكتشف أن الصوت يتوقف فجأة كلما دخل إلى صفحات الموقع.

في البداية اعتقد أن المشكلة ناتجة عن خلل في المتصفح أو في نظام التشغيل، لكنه فوجئ بأن الأمر يتكرر بشكل منتظم مع كل زيارة للموقع. 

والأكثر غرابة أنه لم يجد أي مقاطع فيديو أو ملفات صوتية ظاهرة داخل الصفحات يمكن أن تفسر توقف الموسيقى.

حاول المطور كتم الصوت من المتصفح ومن نظام التشغيل نفسه، إلا أن المشكلة استمرت. وبعد سلسلة من الاختبارات، توصل إلى أن إغلاق صفحة “علي إكسبريس” بالكامل هو الحل الوحيد لعودة الموسيقى للعمل بشكل طبيعي، ما دفعه إلى التعمق في فحص شيفرة الموقع وتحليل ما يحدث خلف الكواليس.

اقرأ أيضًا: الخطوط الوهمية.. كيف تحمي بياناتك من التسجيل دون علمك؟

صوت لا يُسمع.. لكنه موجود

خلال عملية التحليل، اكتشف المطور أن الموقع يقوم بتشغيل إشارة صوتية خاصة لا يستطيع المستخدم سماعها بشكل مباشر، لكنها تُعامل من قبل نظام التشغيل على أنها صوت نشط.

وبحسب ما كشفه، فإن الهدف من هذه الإشارة ليس تشغيل محتوى صوتي للمستخدم، بل قياس كيفية تعامل الجهاز معها. 

فكل جهاز إلكتروني يمتلك خصائص تقنية مختلفة تتعلق بمكونات الصوت ونظام التشغيل والمتصفح والعتاد الداخلي، وهو ما يجعل استجابته لهذه الإشارات مختلفة عن استجابة أي جهاز آخر.

ومن خلال تحليل هذه الاستجابات، تستطيع المنصة تكوين ما يُعرف بـ”البصمة الرقمية” أو “البصمة الإلكترونية” الخاصة بالجهاز، وهي مجموعة من البيانات التقنية التي تجعل التعرف على الجهاز ممكناً حتى في حال حذف ملفات تعريف الارتباط أو تغيير الحساب المستخدم.

كيف تعمل التقنية؟

يشبّه خبراء التقنية هذه الآلية بطريقة عمل السونار أو الخفافيش، حيث يتم إرسال موجة صوتية ثم تحليل طريقة انعكاسها أو استجابة البيئة المحيطة لها.

وفي حالة “علي إكسبريس”، لا يتعلق الأمر بتحديد المواقع الجغرافية، بل بجمع معلومات تقنية دقيقة عن الجهاز المستخدم. 

فالإشارة الصوتية تعمل كأداة اختبار تسمح للمنصة بمعرفة كيفية معالجة الجهاز للصوت، وهو ما ينتج عنه بصمة فريدة يصعب تكرارها على جهاز آخر.

ورغم أن المستخدم لا يسمع شيئاً، فإن نظام التشغيل يتعامل مع الإشارة باعتبارها نشاطاً صوتياً حقيقياً، وهو ما يفسر توقف بعض تطبيقات الموسيقى أو الأصوات الأخرى أثناء تصفح الموقع.

أكثر من مجرد صوت

ولا تعتمد المنصة، بحسب التقارير التقنية، على هذه الإشارة الصوتية وحدها في بناء البصمة الرقمية للمستخدم.

فالنظام يجمع أيضاً بيانات متعددة تشمل:

  • نوع نظام التشغيل المستخدم.
  • إصدار المتصفح.
  • مواصفات المعالج.
  • بطاقة الصوت ومكوناتها التقنية.
  • إعدادات الجهاز المختلفة.
  • تفاصيل العتاد الداخلي.
  • خصائص الرسوميات والشاشة.

وعند دمج هذه المعلومات معاً، يتم إنشاء ملف تعريف رقمي فريد لكل جهاز، ما يسمح للمنصة بالتعرف عليه بسهولة حتى في حال استخدام حسابات مختلفة أو مسح ملفات الكوكيز التقليدية.

لماذا تستخدم المنصة هذه الطريقة؟

تعتمد منصات التجارة الإلكترونية الكبرى على تقنيات تتبع متعددة لحماية أنظمتها من الاحتيال وإساءة الاستخدام، خاصة فيما يتعلق بالعروض الترويجية والخصومات وكوبونات الشراء.

ويُعتقد أن الهدف الأساسي من هذه البصمات الرقمية هو اكتشاف الحسابات الوهمية أو المستخدمين الذين يحاولون إنشاء عدة حسابات للاستفادة المتكررة من العروض التسويقية.

لكن ما أثار الجدل هو أن هذه التقنية تتجاوز وسائل التتبع التقليدية المعروفة، مثل ملفات تعريف الارتباط (Cookies)، وتلجأ إلى وسائل أكثر تعقيداً لا يدركها معظم المستخدمين.

مخاوف تتعلق بالخصوصية

أثار الكشف عن هذه الآلية موجة من الانتقادات في الأوساط التقنية، حيث اعتبر بعض الخبراء أن استخدام وسائل خفية لجمع بيانات الأجهزة قد يمثل انتهاكاً لمبادئ الشفافية التي يفترض أن تلتزم بها المنصات الرقمية.

ويرى منتقدو هذه الممارسة أن المستخدمين يجب أن يكونوا على علم واضح بجميع أدوات التتبع المستخدمة، وأن يتم منحهم حرية الموافقة أو الرفض قبل جمع أي بيانات تتعلق بأجهزتهم أو سلوكهم الرقمي.

وفي المقابل، لم تصدر منصة “علي إكسبريس” حتى الآن أي تعليق رسمي يوضح طبيعة هذه التقنية أو الأسباب الكاملة وراء استخدامها، رغم تزايد التساؤلات حولها.

هل يمكن منع هذا النوع من التتبع؟

حتى الآن لا توجد طريقة رسمية من داخل المنصة لتعطيل هذه الآلية بشكل مباشر، كما أن كثيراً من إضافات حظر التتبع التقليدية قد لا تكون فعالة معها.

ومع ذلك، تشير تقارير تقنية إلى أن بعض المتصفحات التي تركز على حماية الخصوصية، مثل متصفح “بريف” ومتصفح “فايرفوكس”، تمتلك أدوات متقدمة للحد من تقنيات البصمة الرقمية ومنع العديد من الأكواد المستخدمة في هذا النوع من التتبع.

وقد استغل متصفح “بريف” انتشار الخبر للترويج لقدراته في حماية المستخدمين، مؤكداً أن أنظمته قادرة على تعطيل هذه الإشارات ومنع استخدامها في إنشاء بصمات رقمية للأجهزة.

الخصوصية الرقمية تحت المجهر

تعيد هذه الواقعة تسليط الضوء على النقاش المتزايد حول الخصوصية الرقمية في عصر التكنولوجيا الحديثة، حيث أصبحت الشركات تعتمد على أساليب أكثر تطوراً لجمع البيانات وفهم سلوك المستخدمين.

ورغم أن الهدف المعلن غالباً يكون مكافحة الاحتيال وتحسين الخدمات، فإن خبراء الخصوصية يؤكدون أن الشفافية وإعلام المستخدمين بطرق جمع البيانات يظلان عنصرين أساسيين للحفاظ على الثقة بين المنصات الرقمية ومستخدميها.

ومع استمرار تطور تقنيات التتبع، يبدو أن معركة الخصوصية على الإنترنت ستظل واحدة من أبرز القضايا التي تشغل المستخدمين وخبراء الأمن السيبراني حول العالم خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقًا