Table of Contents
في كل عام يظهر مشروب جديد يتصدر قوائم المهتمين بالصحة والعافية، ويجذب انتباه المشاهير والمؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبينما شهدت السنوات الماضية انتشار مشروبات مثل الماتشا والكومبوتشا وشاي الفطر الريشي، يبدو أن عام 2026 يحمل بطله الجديد: شاي المارشميلو.
ورغم أن الاسم قد يدفع الكثيرين إلى الاعتقاد بأنه مشروب مصنوع من حلوى المارشميلو البيضاء الشهيرة، فإن الحقيقة مختلفة تمامًا.
فالمقصود هنا ليس الحلوى المعروفة، بل نبات طبي قديم يُعرف باسم الخطمي الطبي أو Althaea officinalis، وهو نبات استخدمته الحضارات القديمة منذ آلاف السنين لأغراض علاجية متنوعة.
ومع تزايد الحديث عنه بين خبراء التغذية والمؤثرين ورواد منصات العافية، بدأ كثيرون يتساءلون: هل يستحق هذا المشروب كل هذه الضجة؟ وهل يملك بالفعل فوائد حقيقية للأمعاء والمناعة والبشرة كما يروج له البعض؟
من مصر القديمة إلى موائد المشاهير
قبل أن يصبح شاي المارشميلو جزءًا من روتين بعض المشاهير، كان هذا النبات معروفًا منذ قرون طويلة في الطب الشعبي.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن المصريين القدماء استخدموا أجزاءً من نبات الخطمي في وصفات علاجية متعددة، مستفيدين من خصائصه المهدئة والمرطبة.
ومع مرور الزمن، انتقلت استخداماته إلى الحضارات اليونانية والرومانية ثم إلى الطب العشبي الأوروبي، حيث استُخدمت جذوره وأوراقه في تحضير مستحضرات ومشروبات تقليدية تهدف إلى تهدئة الحلق ودعم صحة الجهاز الهضمي.
ورغم تراجع الاهتمام به لفترات طويلة، عاد النبات إلى دائرة الضوء مجددًا بفضل موجة الاهتمام العالمية بالمكونات الطبيعية والعلاجات العشبية.
اقرأ أيضًا: مكملات مكافحة الشيخوخة.. هل تمنحك شبابًا أطول أم أنها مجرد وعود تسويقية؟
لماذا عاد شاي المارشميلو إلى الواجهة؟
السبب المباشر وراء الانتشار الواسع للمشروب مؤخرًا كان حديث عارضة الأزياء الأسترالية الشهيرة ميراندا كير عنه خلال إحدى حلقات البودكاست الخاصة بالإعلامية كريستين كافالاري.
وخلال اللقاء، كشفت كير أنها تعتمد شاي المارشميلو ضمن روتينها الصباحي، مشيرة إلى أنه يساعدها في دعم صحة الأمعاء وتعزيز المناعة وتحسين مظهر البشرة.
وسرعان ما انتشرت التصريحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ موجة جديدة من الاهتمام بالمشروب بين الباحثين عن أساليب طبيعية للعناية بالصحة.
لكن خبراء التغذية يؤكدون أن شهرة من يروّج لأي منتج لا تعني بالضرورة أن جميع الادعاءات المرتبطة به صحيحة علميًا، وهو ما يدفع إلى ضرورة النظر إلى الأدلة العلمية بعيدًا عن الحماس الذي تصنعه منصات التواصل.
السر الحقيقي وراء المارشميلو الطبي
ما يجعل نبات الخطمي مختلفًا عن كثير من الأعشاب الأخرى هو احتواؤه على مادة طبيعية تعرف باسم الميوسيلاج أو الصمغ النباتي.
وعند ملامسة هذه المادة للماء، تتحول إلى قوام هلامي كثيف يشبه الجل، وهو ما يمنح النبات خصائصه المميزة.
فهذا القوام اللزج قادر على تكوين طبقة تغلف الأنسجة الرطبة داخل الفم والحلق والجهاز الهضمي، ما قد يساهم في تهدئة بعض أنواع التهيج والالتهابات البسيطة.
ولهذا السبب ارتبط استخدام النبات تاريخيًا بتخفيف السعال الجاف وتهيج الحلق وبعض مشكلات الجهاز الهضمي.
مشروب بقوام مختلف عن الشاي التقليدي
على عكس معظم أنواع الشاي العشبي التي تنتج مشروبًا خفيفًا، فإن شاي المارشميلو يمتلك قوامًا أكثر كثافة ولزوجة.
فعند نقع جذور النبات أو أوراقه في الماء الدافئ، تنتفخ مكونات الصمغ النباتي وتذوب تدريجيًا، مما يمنح المشروب ملمسًا هلاميًا خفيفًا.
ويرى المختصون أن هذه اللزوجة هي العامل الأساسي الذي يفسر معظم الفوائد المنسوبة للنبات، إذ تساعد على تكوين غشاء واقٍ فوق الأنسجة المتهيجة.
ولهذا السبب ظل النبات لقرون أحد المكونات الشائعة في الطب العشبي التقليدي.
هل يساعد فعلًا في تهدئة الجهاز الهضمي؟
من أكثر الادعاءات انتشارًا حول شاي المارشميلو قدرته على تحسين صحة الأمعاء وتهدئة المعدة.
وتستند هذه الفكرة إلى قدرة الصمغ النباتي على تغليف بطانة المريء والمعدة مؤقتًا، مما قد يمنح شعورًا بالراحة لدى بعض الأشخاص الذين يعانون من الحموضة أو تهيج الجهاز الهضمي.
لكن الخبراء يشددون على أن الأدلة العلمية المتوافرة حتى الآن ما تزال محدودة.
فمعظم الدراسات التي تناولت هذه التأثيرات أجريت في المختبرات أو على الحيوانات، بينما لا تزال الدراسات البشرية قليلة وغير كافية لإثبات تأثير علاجي مباشر.
لذلك لا ينبغي النظر إلى المشروب باعتباره علاجًا لأمراض الجهاز الهضمي، بل باعتباره وسيلة قد تساعد على التهدئة المؤقتة لبعض الأعراض لدى بعض الأشخاص.
شاي المارشميلو والسعال الجاف
من الاستخدامات التقليدية الأكثر شهرة للنبات دوره في تهدئة الحلق وتخفيف السعال الجاف.
فالطبقة الهلامية التي تنتجها مادة الميوسيلاج يمكن أن تغطي الأنسجة المتهيجة في الحلق، مما يقلل الشعور بالاحتكاك والجفاف الذي يصاحب بعض أنواع السعال.
وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن مستحضرات تحتوي على مستخلص جذر الخطمي ساعدت عددًا من المستخدمين على الشعور براحة أسرع من أعراض تهيج الحلق.
إلا أن الباحثين يؤكدون أن هذه النتائج ما تزال بحاجة إلى دراسات سريرية أكبر وأكثر دقة قبل اعتمادها كدليل علمي قوي.
هل يمنح البشرة النضارة التي يتحدث عنها المشاهير؟
ربما يكون هذا الادعاء من أكثر الأسباب التي دفعت الكثيرين لتجربة المشروب.
فمع انتشار صور المشاهير وروتيناتهم الصحية، بدأ البعض يربط بين شرب شاي المارشميلو وتحسين مظهر البشرة.
لكن أطباء الجلدية يرون أن هذه الفكرة لا تستند إلى أدلة علمية كافية.
صحيح أن مستخلص نبات الخطمي يدخل بالفعل في بعض مستحضرات العناية بالبشرة بفضل خصائصه المرطبة والمهدئة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن شربه سيمنح النتائج نفسها.
فمعظم الدراسات التي تحدثت عن فوائد النبات للبشرة ركزت على استخدامه الموضعي في الكريمات والمستحضرات، وليس على تناوله كمشروب يومي.
ولهذا لا توجد حتى الآن أدلة قوية تثبت أن شرب شاي المارشميلو يؤدي إلى بشرة أكثر صفاءً أو يقلل التجاعيد أو يعزز إنتاج الكولاجين.
الفرق بين نبات المارشميلو وحلوى المارشميلو
من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارًا أن شاي المارشميلو مرتبط بالحلوى الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه.
لكن الواقع أن العلاقة بينهما تاريخية فقط.
فقد كانت وصفات المارشميلو القديمة تُصنع بالفعل باستخدام مستخلصات نبات الخطمي بسبب قوامه اللزج.
أما اليوم، فإن معظم أنواع الحلوى المتوفرة في الأسواق تعتمد على السكر والجيلاتين والمنكهات الصناعية، ولا تحتوي عادة على النبات الأصلي الذي ارتبط بالفوائد العشبية.
لذلك فإن تناول حلوى المارشميلو لا يمنح أيًا من الفوائد الصحية المنسوبة إلى جذور الخطمي.
بين الحقيقة والمبالغة
يمثل شاي المارشميلو مثالًا واضحًا على الطريقة التي تتحول بها بعض المكونات الطبيعية إلى ظواهر عالمية بمجرد أن يتبناها المشاهير أو المؤثرون.
ففي كثير من الأحيان تبدأ القصة بفائدة محتملة ومدعومة جزئيًا بالأبحاث، ثم تتوسع تدريجيًا حتى تتحول إلى وعود صحية مبالغ فيها تشمل كل شيء من تحسين الهضم إلى تقوية المناعة وتجديد البشرة.
لكن الواقع العلمي أكثر تعقيدًا.
فحتى الآن، تشير الأدلة المتاحة إلى أن نبات الخطمي يمتلك خصائص مهدئة قد تكون مفيدة لبعض حالات تهيج الحلق أو الجهاز الهضمي، إلا أن معظم الادعاءات الأخرى لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات البشرية لإثباتها بشكل قاطع.
كيف يُحضّر شاي المارشميلو؟
عادةً ما يُحضّر المشروب باستخدام جذور الخطمي المجففة.
ويُنصح بوضع ملعقة صغيرة من الجذر المجفف في كوب من الماء الساخن أو الدافئ وتركه منقوعًا لفترة طويلة نسبيًا قد تصل إلى ساعتين، حتى تخرج المادة الهلامية المميزة للنبات إلى الماء.
أما المنتجات الجاهزة المعبأة في أكياس، فيُفضل اتباع التعليمات المدونة على العبوة، نظرًا لعدم وجود جرعة موحدة معتمدة للجميع.
وفي جميع الأحوال، ينصح المختصون باستشارة الطبيب قبل استخدام النبات بصورة منتظمة، خاصة للأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة أو يتناولون أدوية بشكل مستمر.
هل يستحق التجربة؟
قد يكون شاي المارشميلو إضافة لطيفة لمحبي المشروبات العشبية الطبيعية، خاصة لمن يبحثون عن مشروب دافئ ومهدئ للحلق أو المعدة.
لكن من المهم التعامل معه بواقعية بعيدًا عن الوعود المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فهو ليس إكسيرًا سحريًا للصحة والجمال، ولا علاجًا شاملًا لمشكلات الجهاز الهضمي أو البشرة، بل نبات عشبي يمتلك بعض الخصائص الواعدة التي ما زال العلم يحاول فهمها بشكل أعمق.
وفي النهاية، تبقى أفضل طريقة للاستفادة من أي مشروب صحي هي اعتباره جزءًا من نمط حياة متوازن، لا بديلًا عن التغذية السليمة أو الرعاية الطبية المتخصصة.