عندما يتكرر السرطان داخل العائلة.. هل الوراثة هي السبب دائمًا؟

0 مشاهدات

عندما يسمع شخص أن أحد أقاربه أُصيب بالسرطان، قد يشعر بالقلق، لكن عندما تتكرر الإصابة بين عدة أفراد من العائلة، يصبح الخوف أكبر، ويبدأ السؤال الذي يطرحه الجميع: هل السرطان وراثي؟ وهل يمكن أن ينتقل من جيل إلى آخر؟

ورغم أن تكرار الإصابة بالسرطان داخل الأسرة قد يبدو دليلًا واضحًا على وجود عامل وراثي، فإن الحقيقة أكثر تعقيدًا مما يعتقد كثيرون. 

فليس كل سرطان يظهر في العائلة يكون ناتجًا عن جينات موروثة، كما أن وجود طفرة جينية مرتبطة بزيادة خطر الإصابة لا يعني بالضرورة أن الشخص سيُصاب بالمرض في المستقبل.

ويؤكد الأطباء أن السرطان لا يُورث كمرض، بل قد يُورث الاستعداد للإصابة به، وهو فرق جوهري يساعد على فهم طبيعة المرض والتعامل معه بعيدًا عن الخوف أو التصورات الخاطئة.

كيف ينشأ السرطان أصلًا؟

السرطان في جوهره مرض ينتج عن تغيرات أو طفرات تحدث في المادة الوراثية داخل الخلايا. 

وعندما تتراكم هذه التغيرات بمرور الوقت، قد تفقد الخلية قدرتها على تنظيم نموها الطبيعي، فتبدأ في الانقسام بصورة غير طبيعية، مكوّنة أورامًا قد تتحول إلى سرطان.

لكن هذه الطفرات ليست جميعها موروثة من الوالدين. ففي الواقع، أغلب التغيرات الجينية التي تؤدي إلى السرطان تحدث خلال حياة الإنسان نتيجة عوامل مختلفة، مثل:

  • التقدم في العمر.
  • التدخين.
  • السمنة.
  • التعرض لبعض المواد الكيميائية.
  • الأشعة فوق البنفسجية.
  • التلوث البيئي.
  • بعض أنواع العدوى الفيروسية.

كما يمكن أن تحدث بعض الأخطاء الجينية بصورة طبيعية أثناء انقسام الخلايا، دون وجود سبب واضح أو عامل وراثي مباشر.

لذلك فإن الإصابة بالسرطان غالبًا ما تكون نتيجة تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والعوامل البيئية ونمط الحياة.

اقرأ أيضًا: كيف يصبح سرطان القولون قادرًا على غزو الكبد؟

السرطان الوراثي أقل شيوعًا مما يعتقد الكثيرون

عندما يتكرر الحديث عن الجينات والسرطان، قد يظن البعض أن معظم الحالات وراثية، لكن الدراسات الطبية تشير إلى عكس ذلك.

فالخبراء يؤكدون أن نسبة السرطانات المرتبطة مباشرة بطفرات جينية موروثة لا تتجاوز ما بين 5% و10% من إجمالي حالات السرطان حول العالم.

وهذا يعني أن أكثر من 90% من الحالات تحدث لأسباب لا ترتبط بطفرة وراثية انتقلت من أحد الوالدين.

ورغم أن السرطانات الوراثية تمثل نسبة محدودة نسبيًا، فإن اكتشافها مبكرًا يُعد أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يساعد الأطباء على وضع خطط متابعة دقيقة للمريض وأفراد أسرته، واتخاذ إجراءات وقائية قد تقلل من خطر الإصابة مستقبلاً.

إذا لم يكن السرطان وراثيًا.. فلماذا يتكرر داخل الأسرة؟

هذا السؤال يُعد من أكثر الأسئلة شيوعًا لدى العائلات التي شهدت إصابات متعددة بالسرطان.

فوجود حالتين أو ثلاث حالات داخل الأسرة لا يعني تلقائيًا وجود جين موروث مسؤول عن المرض.

ويفسر المختصون ذلك بأن أفراد الأسرة غالبًا ما يشتركون في العديد من العوامل التي قد تؤثر في خطر الإصابة، مثل:

  • العادات الغذائية المتشابهة.
  • نمط الحياة.
  • التدخين السلبي أو المباشر.
  • البيئة السكنية نفسها.
  • التعرض للعوامل البيئية ذاتها.
  • مستويات النشاط البدني.

فعلى سبيل المثال، إذا كان التدخين منتشرًا بين أفراد العائلة، فقد تزداد احتمالات الإصابة ببعض أنواع السرطان بينهم دون وجود أي سبب وراثي مباشر.

كما أن بعض السرطانات الشائعة قد تصيب أكثر من فرد في الأسرة بالصدفة البحتة، خاصة مع زيادة متوسط الأعمار وارتفاع معدلات الإصابة عالميًا.

متى يثير التاريخ العائلي الشك بوجود عامل وراثي؟

رغم أن تكرار المرض لا يعني دائمًا وجود سبب جيني، فإن هناك علامات معينة تجعل الأطباء أكثر انتباهًا لاحتمال وجود متلازمة وراثية مرتبطة بالسرطان.

ومن أبرز هذه المؤشرات:

الإصابة في عمر مبكر

عندما يظهر السرطان قبل سن الخمسين، أو في أعمار أصغر من المعتاد، قد يشير ذلك إلى وجود عامل وراثي يستحق التقييم.

إصابة عدة أفراد من الدرجة الأولى

إذا أُصيب الأب أو الأم أو الأخ أو الأخت بالمرض، خاصة إذا تكررت الحالات أكثر من مرة، يصبح التاريخ العائلي أكثر أهمية.

ظهور السرطان عبر أجيال مختلفة

وجود إصابات متكررة لدى الجد أو الجدة، ثم الأب أو الأم، ثم الأبناء، قد يكون مؤشرًا يستدعي الاستشارة الوراثية.

إصابة الشخص بأكثر من نوع سرطان

في بعض الحالات يُصاب الشخص بسرطانين مختلفين ومستقلين خلال حياته، وهو ما قد يشير إلى وجود استعداد جيني خاص.

اكتشاف طفرة جينية معروفة داخل الأسرة

إذا ثبت وجود تغير جيني مرتبط بالسرطان لدى أحد الأقارب، فقد ينصح الأطباء بإجراء تقييم لبقية أفراد العائلة.

هل الجينات وحدها تحدد المصير؟

الإجابة ببساطة: لا.

فحتى في الحالات التي يحمل فيها الشخص طفرة جينية تزيد من خطر الإصابة بالسرطان، فإن المرض ليس حتميًا.

فالاستعداد الوراثي يشبه امتلاك عامل خطر إضافي، لكنه لا يعمل بمعزل عن بقية العوامل الأخرى.

وقد أثبتت الأبحاث أن نمط الحياة الصحي يمكن أن يلعب دورًا مهمًا في تقليل خطر الإصابة، حتى لدى الأشخاص الذين يمتلكون استعدادًا وراثيًا.

ومن أبرز العوامل التي تساعد على خفض المخاطر:

  • الامتناع عن التدخين.
  • الحفاظ على وزن صحي.
  • ممارسة النشاط البدني بانتظام.
  • تناول غذاء متوازن.
  • الحد من استهلاك الكحول.
  • إجراء الفحوصات الدورية الموصى بها.
  • تجنب التعرض المفرط للشمس دون حماية.

ولهذا يؤكد الأطباء أن الجينات قد تفتح الباب أمام الخطر، لكن نمط الحياة والعوامل البيئية قد يكون لها دور كبير في تحديد ما إذا كان المرض سيظهر أم لا.

ماذا يكشف الفحص الجيني؟

أصبح الفحص الجيني اليوم من الأدوات المهمة في تقييم خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان، لكنه لا يقدم إجابات مطلقة كما يعتقد البعض.

فهذا الفحص لا يتنبأ بشكل مؤكد بمن سيُصاب بالسرطان ومن لن يُصاب، وإنما يبحث عن طفرات جينية معروفة ترتبط بزيادة احتمالات الإصابة.

وعندما تظهر نتيجة إيجابية، فإنها تساعد الأطباء على:

  • تقدير مستوى الخطر بشكل أدق.
  • تحديد مواعيد الفحوصات الوقائية.
  • وضع خطط متابعة خاصة.
  • توجيه أفراد الأسرة الآخرين للفحص عند الحاجة.

أما النتيجة السلبية، فلا تعني دائمًا عدم وجود خطر، خاصة إذا كان التاريخ العائلي قويًا. فقد تكون هناك عوامل وراثية لم تُكتشف بعد، أو أسباب أخرى لا يستطيع الفحص الحالي تحديدها.

متى يجب التفكير في الاستشارة الوراثية؟

ينصح الأطباء بطلب الاستشارة الوراثية في الحالات التالية:

  • وجود عدة إصابات بالسرطان داخل العائلة.
  • ظهور المرض في أعمار صغيرة.
  • إصابة أحد الأقارب بأكثر من نوع سرطان.
  • وجود طفرة جينية معروفة لدى أحد أفراد الأسرة.
  • وجود تاريخ عائلي قوي لأنواع محددة من السرطان.

فالاستشارة الوراثية لا تهدف فقط إلى البحث عن الجينات، بل تساعد أيضًا على فهم مستوى الخطر الحقيقي وتحديد الخطوات المناسبة للوقاية والمتابعة.

التاريخ العائلي ليس حكمًا بالإصابة

في النهاية، لا ينبغي النظر إلى تكرار السرطان داخل الأسرة باعتباره حكمًا مسبقًا أو مصيرًا محتومًا. فالتاريخ العائلي يُعد إشارة مهمة تستحق الانتباه، لكنه لا يعني بالضرورة أن المرض سينتقل إلى بقية أفراد العائلة.

الأهم هو التعامل مع هذه المعلومات بطريقة علمية وهادئة، واللجوء إلى المختصين عند الحاجة، لأن معرفة التاريخ الصحي للعائلة قد تكون أداة قوية للكشف المبكر والوقاية، بدلًا من أن تكون مصدرًا للخوف والقلق.

فكلما زادت المعرفة، أصبحت القدرة على اتخاذ القرارات الصحية السليمة أكبر، وتحول القلق من المستقبل إلى فرصة لحماية الصحة ومراقبتها بشكل أفضل.

اترك تعليقًا