زمن الرسائل الفقيرة عفوا .. لن أرد على الواتس آب!

23 مشاهدات

أعود إلى الزمن الجميل أو ما أتصور أنه كان جميلا.

كان يامكان .. إذا هاتفت قريبا أو صديقا على مدار يومين متتاليين يقول متأففا في نهاية المكالمة الثانية
: احنا هنقعد نتكلم في التليفون على طول كده .. لابد أن نتقابل .. ما رأيك أن نلتقي مساء اليوم؟

بعد ساعات قليلة يتم اللقاء في منزلي أو في منزله إن كان من الأقارب أو في أحد الكافيهات أو المزارع إن كان من الأصدقاء.

في هذه اللقاءات كنا نتشارك الذكريات القديمة ونصنع ذكريات جديدة نتشاركها في اللقاءات القادمة.

كنا – على أقداح الشاي والقهوة – نتبادل الرأي في
الهموم والمشاكل ونطرح – على مائدة الحوار – الطموح والآمال والشواغل .. نبتسم لنفس الحكاية التي نرويها في كل لقاء .. نضحك على ذات النكتة التي ضحكنا عليها عشرين مرة.

ثم جرت في النهر مياه غير نقية.

تعقدت الحياة وتقاطعت المصالح وارتفع صوت المال وأصبح الشعار : كم معك لأعرف ماقدرك ؟ فأصبحت هذه اللقاءات إذا لم تحمل في طياتها مصلحة أو صفقة أو نفعا عبئا كبيرا على أطرافها.

ثم تعقدت الحياة أكثر وأكثر وأصبح الوقت يساوي أموالا، فصارت المكالمات الهاتفية عبئا وأصبح قطاع كبير منا يعتبرها إزعاجا غير محتمل واعتداء غير مقبول على وقته واقتحاما غير مرحب به على خصوصيته.

أحد المذيعين الكبار شكا متبرما على صفحته الشخصية من الإزعاج الذي يصادفه من المكالمات التلفونية التي تأتيه من أصدقائه.

وأعرب عن أمله في أن تختفي المكالمات الهاتفية من الوجود وتحل بدلا منها رسائل الواتس آب القصيرة الفقيرة التي لاتقول إلا كلاما ساكتا.

طبعا هذا المذيع يقول ذلك لأن المجداف والملاح والدنيا معه والجميع يخطب وده في هذه السنوات أما حين يتقاعد، فإنه سوف يشتاق إلى من يطرق بابه أو يدق عليه جرس الهاتف.

أيها الأصدقاء .. بعض اللقاء ليس كثيرا .. تقابلوا تصحوا .. اصنعوا ذكرياتكم بأيديكم فإن صناعة الذكريات فن والفن لن تصنعه رسائل جافة متصحرة خالية من الشغف ومجافية للمودة ومخاصمة لكل المعاني الجميلة.

لاتستبدلوا الذي هو أدنى من الرسائل بالذي هو خير من المقابلات فإن فلم يكن فبالمكالمات وهذا أضعف المودة.

اصنعوا ذكريات لأبنائكم من خلال لمة أصدقائكم وأقاربكم لأن ” الحياة ليست ما نعيشه وإنما مانتذكره وكيف نتذكره لنرويه ” كما يقول ماركيز ولأن رسائل الواتس ستصنع جيلا فقيرا في مشاعره .. فقيرا في عطائه .. فقيرا في عونه لكل من يريد العون.

كثير مماتعلمته في الحياة كان من أصدقاء والدي وهم – لكثرتهم وتنوعهم – لايتسع المقام لذكر أسمائهم ولكنه يتسع لذكر آثارهم المطبوعة في عقلي وأفضالهم الساكنة في وجداني وذاكرتي.

تخففوا من براجماتية الرسائل إلى حميمية للقاءات فإن لم يكن فإلى حرارة التليفونات وهذا أضعف المودة.

تجاهلوا الرسائل التي تكتبها اللياقة ولا يكتبها الحب.
تجنبوا الرسائل سابقة التجهيز التي تكتب لكل الناس
ولا تكتب لكم خصيصا.

تخففوا من رسائل المصلحة إلى لقاءات المودة ومن رسائل جروبات العمل إلى مكالمات التواصل وتمهلوا
قبل أن تصنعوا أجيالا خالية من المشاعر وفقيرة في الذكريات.

اترك تعليقًا